سيد محمد طنطاوي

166

التفسير الوسيط للقرآن الكريم

الخير من فلان . أي : أقرب ، واستعير هنا للأقل ، لأن المسافة التي بين الشيء والشيء إذا قربت كانت قليلة ، وهو منصوب على الظرفية بالفعل « تقوم » . وقوله : * ( ونِصْفَه وثُلُثَه ) * قرأه بعض القراء السبعة بالجر عطفا على * ( ثُلُثَيِ اللَّيْلِ ) * وقرأه الجمهور بالنصب عطفا على أدنى . والمعنى على قراءة الجمهور : إن ربك - أيها الرسول الكريم - يعلم أنك تقوم من الليل ، مدة قد تصل تارة إلى ثلثي الليل ، وقد تصل تارة أخرى إلى نصفه أو إلى ثلثه . . . على حسب ما يتيسر لك ، وعلى حسب أحوال الليل في الطول والقصر . والمعنى على قراءة غير الجمهور : إن ربك يعلم أنك تقوم تارة أقل من ثلثي الليل وتارة أقل من نصفه ، وتارة أقل من ثلثه . . وذلك لأنك لم تستطع ضبط المقدار الذي تقومه من الليل ، ضبطا دقيقا ، ولأن النوم تارة يزيد وقته وتارة ينقص ، واللَّه - تعالى - قد رفع عنك المؤاخذة بسبب عدم تعمدك القيام أقل من ثلث الليل . . فالآية الكريمة المقصود منها بيان رحمة اللَّه - تعالى - بنبيه صلى اللَّه عليه وسلم حيث قبل منه قيامه بالليل متهجدا ، حتى ولو كان هذا القيام أقل من ثلث الليل . . وافتتاح الآية الكريمة بقوله - سبحانه - * ( إِنَّ رَبَّكَ يَعْلَمُ . . ) * يشعر بالثناء عليه صلى اللَّه عليه وسلم . وبالتلطف معه في الخطاب ، حيث إنه صلى اللَّه عليه وسلم كان مواظبا على قيام الليل . على قدر استطاعته ، بدون تقصير أو فتور . وفي الحديث الشريف : أنه صلى اللَّه عليه وسلم قام الليل حتى تورمت قدماه . والتعبير بقوله - تعالى - : * ( أَدْنى مِنْ ثُلُثَيِ اللَّيْلِ ونِصْفَه وثُلُثَه ) * يدل على أن قيامه صلى اللَّه عليه وسلم كان متفاوتا في طوله وقصره ، على حسب ما تيسر له صلى اللَّه عليه وسلم ، وعلى حسب طول الليل وقصره . وقوله - سبحانه - : * ( وطائِفَةٌ مِنَ الَّذِينَ مَعَكَ ) * معطوف على الضمير المستتر في قوله : * ( تَقُومُ ) * . أي : أنت أيها الرسول الكريم - تقوم أدنى من ثلثي الليل ونصفه وثلثه ، وتقوم طائفة من أصحابك للصلاة معك ، أما بقية أصحابك فقد يقومون للتهجد في منازلهم . روى البخاري في صحيحه عن عائشة ، أن رسول اللَّه صلى اللَّه عليه وسلم صلى ذات ليلة في المسجد ، فصلى بصلاته ناس ، ثم صلى من القابلة فكثر الناس ، ثم اجتمعوا في الليلة الثالثة